الجمل-
الأيهم صالح: قبل أن أنهي استماعي لتسجيل كتاب البجعة السوداء
لنسيم طالب، باللغة الانكليزية، أدركت أن هذا الكتاب سيصبح ثالث كتاب يغير
حياتي تغييرا جذريا، فقد هز نسيم طالب جذور معتقداتي بأسلوبه الساخر وقدرته
على بناء قضايا جوهرية انطلاقا من بعض الملاحظات السطحية التي لم يكن لي
أن ألاحظها قبل أن أقرأه.أين علم الهندسة في الطبيعة؟ هل شاهدت في
حياتك مستقيما في الطبيعة؟ هل شاهدت دائرة أو كرة أو أيا من الأشكال
الهندسية الاقليدية؟ أنا لم أشاهدها أبدا، رغم أنني كنت أعتقد أن علم
الهندسة هو مجرد تجريد لمشاهداتنا في الطبيعة. الطبيعة لا تنتج دوائر أو
مثلثات، بل تنتج أشكالا عشوائية لا علاقة لها بانتظام الهندسة الاقليدية،
ولا تخضع لقوانينها أبدا. ومهما حاول المهندسون تنظيم الطبيعة، ستبقى
عشوائيتها طاغية، ولن يستطيع أبرع مهندس أن يحدد كيف سيكون شكل الشجرة التي
يزرعها بيده حتى لو كان يعرف أشكال كل الأشجار التي شاهدها أي إنسان على
مر التاريخ.ألهذا الحد علومنا قاصرة عن فهم الطبيعة؟ نسيم طالب يؤكد
أنه على الأقل، رياضياتنا التقليدية عاجزة تماما عن مجاراة الطبيعة، ولا
تنجح إلا في نطاق محدد في مقاربة بعض الظواهر الطبيعية، وهو النطاق الذي لا
يكون فيه للعشوائية دور كبير.ولكن هناك علما قائما بذاته يدرس
العشوائية، ويسمى بعلم الاحتمالات، وهناك علوم أخرى تعتمد على الإحصاء في
فهم الماضي وتوقع المستقبل، وهناك علماء حازوا جائزة نوبل عن أبحاث في هذا
المجال، هل من المعقول أن كل هذا غير حقيقي ولا علاقة له بالطبيعة؟ أصبحت
الآن مقتنعا مع نسيم طالب أن بعض العلوم خدعة كبرى. بل إن كل علومنا
المستندة على الاستقراء قد تكون مجرد مغالطات تروى في الكتب ويستخدمها
نصابون محترفون ليلقنوها لطلابهم على أنها علم حديث، أو ليبيعوها لنا
بأشكال مختلفة. اقرأ المزيد