منذ المرة الأولى التي سلكنا فيها ذلك الطريق تساءلت عن سبب اختيار مضيفنا علاء له، فقد قادنا علاء في حوالي الثانية ليلا بين عشرات الحواجز العسكرية في منطقة مزروعة بكل أشكال العناصر الأمنية وبين عدد من السفارات في منطقة جاردن سيتي بالقاهرة. صحيح أن هذا الطريق هو الأقرب، ولكنني كنت أفضل أن أمشي خمس دقائق إضافية على كورنيش النيل بدلا من أن أمشي بين المتاريس التي يقيمها الأمن المصري حول السفارات الأمريكية والبريطانية والكندية.
في الصباح التالي قادنا علاء من نفس الطريق، ولكن بالاتجاه المعاكس، فهذا الصباح انطلقنا من فندق هلنان شبرد في القاهرة عبر الحواجز والمتاريس في جاردن سيتي لنصل إلى مقر المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهو المقر الذي يستضيف لقاء Arab Source التحضيري الأول. وعندما عدنا في المساء عبر نفس الطريق خطر لي أن أعود عبر كورنيش النيل، لكنني فضلت العودة من هذا الطريق الهادئ متجنبا ضجيج السيارات وازدحام المارة على الكورنيش. وعندما اقتربنا من المتراس الأول حدثنا ضابط يرتدي ملابس مدنية باحترام وسأل عن وجهتنا فأخبره علاء أننا نقصد شبرد وأننا نمر من هنا كل يوم، ثم استمر في مشيه دون أن يلتفت لما سيقوله الضابط، وتبعناه.
صباح اليوم التالي وصل علاء متأخرا دقيقتين وكنا قد انطلقنا من الفندق عبر نفس الطريق برفقة منال، ومنذ انطلاقنا كان أنس يسمع الزملاء المصريين بعد النكت المسجلة على حاسبه الشخصي وكانت ضحكاتنا تدوي وتلفت إلينا الأنظار. وتأخرت أنا أيضا عن المجموعة لأرد على سائق تكسي عرض علي رحلة إلى الهرم بـ 60 جنيها، ولذلك فقد التقيت مع علاء أمام أول حاجز وطلب منا الضابط المسؤول أن نفتح الحقائب، ثم سمح لنا بالمرور عندما اكتشف أنها تحوي حواسب محمولة. بعد قليل انتبهت إلى علاء وهو يسبقني بسرعة، ولمحت من بعيد زملائي متوقفين في منتصف الشارع، فأسرعت قليلا أنا أيضا.
عندما وصلت إلى المكان فهمت أن الضابط المسؤول عن أمن المنطقة، وهو رجل في خمسيناته، وكان يمسك بيده النصف المتبقي من سندويشته، قد شك بسبب قيام أنس بفتح الحاسب وتحريكه أثناء مرورنا في الشارع، واعتبر ذلك أمرا مريبا يستدعي التحقيق. وكان علاء وأنس يجادلان الضابط، ويسألانه: هل من حقنا أن نمشي في الشارع أم لا؟
قرر الضابط، وهو عميد كما علمت لاحقا، أن يوقف أنس وطلب منا جميعا أن نرحل، وأكد علاء طلبه وطلب من الجميع المتابعة باتجاه قاعة اللقاء، وانصرف الجميع عداي أنا وعلاء وأنس. ويبدو أن أحد الضباط وجدها فرصة لإبراز عنتريته فسحب علاء معه وقال له: كلمني أنا، أنا بكلمك أنت. أجاب علاء: وأكلمك ليه، إنت مين؟ فوجئ الضابط واضطر للتعريف عن شخصيته: المقدم ...... فطلب علاء إثبات شخصيته، وأصر أنه مادام يتكلم بصفته الرسمية فعليه إبراز وثيقة تؤكد هذه الصفة الرسمية. وبدأ جدال جانبي آخر في الوقت الذي كان أنس يطلب فيه من العميد التوقف عن الأكل أثناء الكلام معه، في حين يصر العميد على دعوة أنس لمشاركته في الأكل. وتحول الأمر إلى مسرحية، وشهدت فصلا آخر منها عندما أصر العميد أنه يريد أن يعلّم أنس خطأه، فأجابه علاء "تعلمه ليه، إنت مش معلم، أنت شغلتك أمن السفارة، مش تعليم الناس." وفهم الضابط كما يبدو أن علاء يعيره بتعليمه، فاندفع يشرح كيف أنه يعلم الناس وأنه مربي أجيال وأنه ..... اقرأ المزيد