نشرت هذه المقالة في مجلة المال
خلال الفترة الماضية كررت مؤسسة الاتصالات السورية فكرة أن استخدام تكنولوجيا VoIP في سوريا هو تهريب مكالمات، وشبهه مدير المؤسسة بتهريب المازوت. وفي تقرير حديث نشره حمود المحمود[1] في مجلة الاقتصاد والنقل أعاد تكرار مثل هذه الأفكار بدون تدقيق فيها، مما قد يدفع المواطنين السوريين لتصديق هذه الفكرة التي تحوي كمية كبيرة من المغالطات.
الاتصالات والمازوت
في بلدنا يعتبر المازوت مصدر الطاقة الإنتاجية الرئيسي، وهو مادة تدخل في صلب العملية الإنتاجية كلها، فالأفران تعتمد على المازوت لإنتاج الخبز، والمعامل تعتمد على مولدات الطاقة التي تحول المازوت إلى طاقة كهربائية أو ميكانيكية. وهكذا يعتبر المازوت أهم المواد الأولية اللازمة لكل أنواع الإنتاج في سورية، وسعر المازوت يؤثر على سعر الكلفة لأهم المنتجات في السوق، ومنها الخبز.
أما الاتصالات، فهي إحدى الحاجات الأساسية للإنسان، ربما لا تكون حاجة الإنسان للمازوت مباشرة، لأنه يدخل في عملية إنتاجية طويلة، أما الاتصالات، فهي حاجة أساسية لا يستطيع الإنسان الحياة بدونها. وتأثير الاتصالات على الاقتصاد يعادل تأثير المازوت، لأن نقص أي من المادتين يسبب إرباكا كبيرا للإنتاج والاستهلاك، وارتفاع كلفة أي منهما يؤدي حتما إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وتكاليف الحياة اليومية للمواطن.
تدرك الحكومة السورية أهمية المازوت كمصدر للطاقة، ولذلك فهي تطرحه في السوق السورية بسعر أقل من سعره في السوق العالمية، ولا تعتبر الحكومة أنها تخسر في المازوت، لأنه أساسا من مشتقات النفط السوري وتنتجه مصفاتا حمص وبانياس، يعني بما أن سورية هي التي تنتجه، فهي تقرر سعره حسب متطلباتها وليس حسب السوق الدولية.
وحتى وقت قريب كانت الحكومة السورية تدرك أهمية الاتصالات كحاجة من حاجات الإنسان الأساسية، وتعاملها مثل المازوت، فتبيعها بسعر رخيص نسبيا للمواطن السوري، ولكن مؤخرا أخذت مؤسسة الاتصالات السورية ترفع أسعارها بشكل غير مألوف في السابق، فضاعفت سعر المكالمة الداخلية، والتي هي أهم خدمة اتصالات يستخدمها المواطن السوري، ليصبح 60 قرشا لكل 3 دقائق بعد أن كان 60 قرشا لكل 6 دقائق، وزادت كلفة الاشتراك السنوي الذي يدفعه كل مشترك ليصبح 480 ليرة بدلا من 400 ليرة، كما زادت أسعار الخدمات الإضافية بنسب متقاربة، وللتغطية على هذه الزيادات في الأسعار نظمت المؤسسة حملة إعلامية هائلة في سورية تروج لفكرة أن الحكومة خفضت كلفة المكالمات الهاتفية القطرية، رغم أنها لم تخفض فعلا في كل الحالات، فقيمة دقيقة المكالمة القطرية بين اللاذقية وطرطوس كانت قبل التخفيض المزعوم ليرة ونصف نهارا و75 قرش ليلا، وأصبحت ليرة ونصف دائما، كما أن قيمة دقيقة المكالمة القطرية بين اللاذقية ودمشق ليلا في فترة التخفيض الليلي كانت ليرة ونصف، وظلت ليرة ونصف بعض التخفيض المزعوم. هذا بالإضافة إلى فرض أسعار على عدد من الخدمات التي تقدم مجانا في كل العالم، وإلى انتقاص الكثير من ميزات خدمة الاتصالات الرقمية التي تقدمها المؤسسة.
كتبت الكثير من المقالات والدراسات حول هذه التسعيرة، ومن أهم ما كتب مقالة أيهم أسد[2] ومقالة بسام القاضي[3] ومقالة حسين الابراهيم[4] ومقالة فايز المعراوي[5]. مقالتا أيهم أسد وبسام القاضي وضحتا بالأرقام والحسابات الدقيقة الارتفاع الهائل في أسعار الاتصالات، وكان رد مدير مؤسسة الاتصالات بالغ الموضوعية عندما قال للصحفي أيهم أسد في حوار على هواء إذاعة صوت الشعب[6]: "من يقول مثل هذا الكلام هو شخص غير عاقل". أما عراب سياسات الاتصالات في سورية، وزير الاتصالات والتقانة، الدكتور بشير المنجد، فاعتبر أن سياسة التسعير الجديدة تناسب محدودي الدخل[7]. اقرأ المزيد