مقالة ممتازة للمهندس وسام طويلة نشرت في ملحق مجلة TMAG. المهندس وسام طويلة هو المدير العام لشركة لوجيتيكا سورية.
====================
صناعة "برمجيات" سورية! صعوبات منذ البداية
كان مما يدعو للفخر والسعادة مؤخراً، ظهور مهارات وجهود سورية لافتة للنظر في مجال تطوير البرمجيات والسعي نحو تحقيق إنجازات تنقل سوريا نوعياً في عالم صناعتها. ولا نبالغ عندما نبدأ بالحديث عن صناعة "برمجيات" سورية جادة يحاول المبرمجون السوريون البدء بوضع حجر الأساس لها. لا سيما في الأشهر الأخيرة، حيث بدى حماس جلي بين مصممي ومطوري البرمجيات السوريين (كاختصاص) وخاصة الشباب تجاه البرمجيات الحرة ومفتوحة المصدر، ومتابعة أخبار هذا القطاع الذي يبدو أنه سيكون مستقبل هذه الصناعة (إن لم يكن جزءاً كبيراً من حاضرها الآن). ورأينا دعماً من جهات مهتمة على عدة مستويات رسمية وطلابية وتخصصية وتجارية. قد يكون لكل من هذه الجهات والمؤسسات ومجموعات العمل رؤية خاصة حول مستقبل هذه الصناعة واستراتيجية التقدم فيها وطرق توجيه المهارات للبدء في تحويلها إلى واقع متين، ولكن أموراً لا خلاف عليها تبقى القواعد الأساسية و مفاصل الارتباط بين جميع هذه الأعمال والجهود للاستفادة منها إلى الحد الأقصى في اجتياز المراحل بأسرع وقت ممكن حتى يصبح لسوريا موقعها في عالم راحت كل دولة أو مجموعة دول فيه تصنع برمجياتها "بيدها".
لعل أفضل وسائل تطوير خبرات جديدة بسرعة هو نقل الخبرات الموجودة حالياً، التعلم منها، والإفادة منها كقاعدة للإضافة وبناء الخبرات الحديثة عليها، بدل البدء من جديد في (إعادة اختراع العجلة). وللأسف كان العالم حتى وقت ليس ببعيد معيقاً لعملية نقل الخبرات هذه، من خلال قيام كل صاحب فكرة أو نتاج فكري أو علمي (كأفراد أو كشركات) بتسجيلها تجارياً لنفسه، والاحتفاظ بها لاستثمارها مادياً بصرف النظر عما يسببه ذلك من حد لقدرات تطوير الخبرات العالمية، واحتكار للعلم والمعرفة بحجة أن صاحب الفكرة هو صاحب الحق الوحيد باستثمارها تجارياً وجني الأرباح ( التي كانت فاحشة في كثير من الأحيان) جراء بيعها أو تأجيرها للآخرين كمنتج معد للاستهلاك الشخصي، محظور الاطلاع على طريقة صنعه أو إعادة بيعه أو حتى إعارته للآخرين، لا بل حتى ترميم العيوب وتصحيح الأخطاء الموجودة فيه.
لم يستطع الكثيرون تبني هذه النظرية القائمة على نسبة الأرباح في نتاج علمي كمقياس لأهميته والعمل على تطويره وتبنيه، وظهرت سريعاً توجهات الحرية العالمية في نقل الخبرات والمعارف والعلوم التي يفترض بالإنسان أن يكون قد طورها لمصلحة البشرية عامة، ولم يكن هؤلاء أقل شأناً علمياً من أصحاب النظرية الأولى، ولم يخسروا كسب عيشهم في النظام الجديد الذي أثبتوا فيه أنهم قادرون على العمل والتعلم والتفاعل فيما بينهم وفوق ذلك كله تحقيق مشاريع ناجحة تجارياً في عدة أشكال وصور، كونت -وفي زمن قياسي- ما يمكن أن يقال فيه (بأقل تقدير) بأنه منافس للجهود الاحتكارية أو التملكية الهادفة للربح فقط. هذا إن لم نأخذ بعين الاعتبار الشركات التي أصبحت تحس بالذعر نتيجة لانتشار هذه الفلسفة، والأخرى التي حسمت أمرها في التوجه نحو هذه المنتجات الحرة بالدعم والإنتاج والاستخدام على حد سواء.
يقول ريتشارد ستولمان والذي إليه يعود جل الفضل في إيجاد هذه الفلسفة "من حسن حظ سوريا أنها بادئة للتو في تطوير مجتمع وصناعة تقنية المعلومات فيها، مما يجعل أمر الانعتاق من شركات البرمجيات الاحتكارية الكبرى سهلاً للغاية، من خلال البدء فوراً باعتماد البرمجيات الحرة في هذا التطوير". ستولمان الذي أرسى مؤسسة البرمجيات الحرة لتأخذ على عاتقها نشر هذه الفلسفة ودعمها والتوعية فيها والمساعدة في سبل تبنيها حول العالم، زار سوريا وقال أنه يؤمن بإمكانية بناء صناعة "برمجيات" سورية لها وجودها الدولي قريباً في حال قام المطورون والطلاب وصناع القرار السوريون المتحمسون -والذين رأى الكثير منهم حوله في ورشة عمل البرمجيات الحرة ومفتوحة المصدر في دمشق- باعتماد هذه الفلسفة التي تمكنهم من النهل من نتاج عالمي ضخم في صناعة وتطوير البرمجيات التي أثبتت جدارتها وأحرزت مكانتها البارزة في العالم، والتواصل مع الملايين من خيرة المطورين حول العالم أجمع لتبادل ونقل الخبرات والإنجازات المحققة حتى الآن والاستفادة منها في دفع العجلة السورية في هذا المضمار بشكل سريع وواف ومفيد والأهم أنه حر (وفي كثير من الأحيان مجاني). اقرأ المزيد