يدخل سراديب البوح ِ مختبئاً بوقاره , متخفّيا ًوراء بضع ِ شعيرات ٍ بيضاءَ باغتته قبل أن يحزم َ حقائب َ الربيع . تتعالى اعترافاته ُ وتضجّ ُ احتفالاته الصوفية ُ على الورق , فيتردد ُ صدى قصيدتُهُ حارا ً حرارة َ استلابه ِ ... , متناثرا ً يعانق ُ آذان َ الجمهور ِ , يخترق ُجدار َ الروح ِ عند كلِّ هذه الوجوه , ِوفي كلِّ وجه ٍ حكاية , وحكايتُها أقدم ُوأشهى من كلِّ الحكايا .
ليست في الصفوف ِالأماميةِ , لكنها أبدا ً أمامَ كلِّ أشيائه ِ, تتهادى بصمت ٍ يزلزله ُ , يتخيّل ُ فيه صمت َكِبَرِ العشق ِ, فكثيراً ما أخبرها : أجمل ُ الكلام ِ ما لم يقال ْ , وكانت تجيبه ُ بصمت ٍ متآمر ٍ: وما لن يقالَ .
ما زالت ْ تلبَسُ الرماديَّ كصمتها , وما زالَ مصرّا ًعلى ارتدائها محاولة َدفء ٍفي صقيع صباحاته ِ الخريفيّة , وأبيض ُ نظرتها يشرأبُّ رغم َ الحرائق ِ متحدّيا ً أتون َالبعاد ْ.
كانت تحدّق ُ في ظلال ِ الكلمات ِ وبين أوراقهِ وبينها مسافة ٌ تصغُرُ وتكبُرُ حسبَ مساحة ِ الإيماءات ِ في قصيدتِهِ . مسافة ُانتهت ْلحدود ِالالتصاق ِلحظةَ تحشرجَ صوتُهُ في كلمةِ – أحبك ِ - , وامتدّت يدُهُ لكأس ِالماء ِعلى المنبر ِيستجدي الانقاذَ من رحلة الغوص ِفي قعر عينيها , ليعود َمن رحلته ِمع شربة ِالماءِ خطيبا ً وقورا ًيحكي عن أرض ٍ مسلوبة ٍيحبّها ويشتهيها . ولولا أنه يشتهيها , لرضي َ خوفُها أن تكونها بتفاصيلها .
هل جاءت ْ تبحثُ عن نفسِها بين فواصِلِهِ ؟ , أم لتثبِّتَ بصْمَتَها نقطة ً على آخر ِ كلِّ سطر ,
....وطالما أرادت نفسَها معهُ إشارات َ استفهام ٍ لا تنتهي ؟ .
حشرها حياؤُها في الصفوفِ الأخيرة ِفي الصالة ِ , حيث اشتعل َمقعد ٌ عرِفَ من وهجهِ أنهُ يحتويها مع ظلِّ الحكاية . وضباب ُ كلِّ الوجوه ِالمستمعةِ انقشع َ عن نورانيّة ٍ مألوفة ٍلديه ِمنذ اللحظة ِالتي قَرع فيها أبواب َالحُلُم ِعلى أعتاب ِ قدسيّتِها , تسرقهُ من حلمهِ قرارات ُ كم لوّحت ْ وما زالت ْ تلوّح ُ بها أمام َ اختراقِهِ لهالتها . اقرأ المزيد