عصام الزعيم
عندما قرأت عنوان الجمل "عصام الزعيم يرحل عاتبا على الوطن لم أفهم أن الجمل ينعي الدكتور عصام الزعيم، أما الآن، فأنا حزين جدا، ولا أملك ما أنعي به الدكتور عصام إلا غصة وحرقة قلب.
مما كتبت سابقا عن الدكتور عصام الزعيم
شرفاء سوريا على مذبح مافيات الفساد
شكرا لجهودكم
سياسة امتصاص الثروة
حين تسرب اختراع اسمه الفاكس الي سورية عبر الحدود بداية التسعينات من القرن المغفور له حاولت الحكومة ضبطه واخضاعه لرسوم معينة، فكان أغلب مستخدميه يستخدمونه سرا وأحيانا تتمكن مؤسسة الاتصالات من ضبطه متلبسا بتسهيل الارساليات والتواصل بين التجار والمؤسسات والشركات والافراد.. وكان يغرم صاحبه المتلبس بالتراسل عبره
في تلك الفترة من بدايات التسرب التقني الي (الشعب اليافع) لم يكن يدور في زواريب المخ الحكومي القدرات المذهلة للفاكس لذلك راودته عن نفسه بحذر...
وانتصر الفاكس علي الحذر وتجذر وأصبح جهازا لا غني عنه في كل المؤسسات حكومية وغير حكومية (طبعا هذا الكلام قبل دخول الايميل وثورة الانترنيت الي البلد).
واكتشفت الحكومة ميزة مذهلة في الفاكس اضافة الي ميزاته المعروفة ايصال القرارات الحاسمة وبسرية وبسرعة وخاصة في فترات هبات (مكافحة الفساد).
وأهم القرارات التي تصل عبر الفاكس هي قرارات الاقالة لبعض المدراء والمسؤولين وغالبا ما يكون الجهاز في مكاتبهم فيكونون أول المطلعين عليه.
فقبل ساعة من وصول (الفاكس ـ الاقالة) ربما يكون المسؤول في قمة المجد، و(حائزا علي ثقة القيادة)، وما ان تصل ورقة مطبوعة من فئة (A4) عبر الجهاز اللعين حتي يكون المسؤول في الحضيض وقبل أن يحزم أمتعة مكتبه تكون الاشاعة سيلا جارفا في كل الامكنة يقتلع باندفاعه كل المجد السابق والهيبة الحكومية التي احتمي في اهابها زمنا أخضر.
"لقد أنصفني الشعب السوري، وأنصفني المثقفون السوريون، وأنصفني القضاء السوري." هكذا افتتح الدكتور عصام الزعيم أول محاضرة له في جامعة تشرين بعد أن برأه القضاء السوري من التهم التي وجهها له رئيس الحكومة السابق مصطفى ميرو.
أما الدكتور حسين العماش، فقد أعاد إلى خزينة الدولة كامل الرواتب التي قبضها طيلة عمله في تأسيس وإدارة هيئة مكافحة البطالة، بعد أن وجه له رئيس الحكومة الحالي محمد ناجي عطري اتهامات بالفساد، وطوي ملفه قبل أن يصل إلى القضاء.
توضح تجربة الدكتور الزعيم والدكتور العماش مع الحكومة السورية العقوبة التي يعاقب بها كل من يتصدى لمافيا الفساد الحكومي في سورية، فهذه المافيا التي لا ترحم تعاقب من يحاربونها باتهامهم بالفساد وتحويلهم إلى محاكمها الخاصة، والتي كانت تشمل محكمة الأمن الاقتصادي، وهي المحكمة التي ألغيت مؤخرا بعد أن تضاعفت أسعارها وعمولاتها لدرجة جعلتها غير مجدية اقتصاديا لمن يديرونها.
وهذه الأيام بدأت مافيا الفساد في الحكومة السورية بشن حملة إعلامية ضد صحيفة المبكي، وصحفييها الذين كشفوا بالأدلة القاطعة والوثائق الدامغة حالات الفساد في محافظة حمص وفي مؤسسة الخطوط الحديدية السورية أيام إدارة محافظ حمص الحالي لها. كما أشاروا إلى تجاوز رئيس الحكومة السابق مصطفى ميرو للقانون ثم معاقبته أحد المواطنين السوريين باستملاك عقاره لصالح الحكومة بعد حصوله على حكم قضائي قطعي ضدها.
تستخدم مافيا الفساد في هذه الحملة مجموعة من الأدوات التقليدية المعروفة، بدءا بالنكرات الذين لا يحتاجون إلا إلى زبون لكتابة أي نوع من أنواع المقالات، ووصولا إلى أداة الهجوم الحكومية الأقوى، صحيفة الثورة، وهي الصحيفة التي قادت الحملة الإعلامية ضد الدكتور حسين العماش منذ ستة أشهر.
تخوض مافيا الفساد هذه المعركة بنفس طرقها التقليدية، فالمال متوفر، والسلطة متمكنة، والأجهزة تملك ملفات للجميع، والقوانين والمحاكم الخاصة تحت الطلب، والقضاة ينتظرون بدء المحاكمة بفراغ صبر. وهذا الأسبوع بدأت مناوشات المعركة القادمة بمحاولة تشويه سمعة الصحفيين الذين فضحوا بعض حالات الفساد، مثل تعيير يعرب العيسى بأمور ربما تكون قد حدثت معه عندما كان عمره 18 عاما، أو محاولة افتعال خلاف بينه وبين لقمان ديركي نتيجة تأثر كليهما بأسلوب محمد الماغوط، ثم تذكير وضاح محي الدين بالخسائر التي تعرض لها في معركته السابقة مع مافيات سرقة الآثار، والمدعمة بقرارات من محكمة الأمن الاقتصادي ذات السمعة البالغة السوء، والتي دفعت وزارة الثقافة إلى التخلص منه، ثم دفعت لفصله من الحزب!!
الملفت للإنتباه أن هذه الحملة لم تطل حتى الآن الصحفي خالد سميسم، وهو من كتب التحقيق حول تجاوزات رئيس الحكومة الأسبق في العدد الممنوع من المبكي. مما يوحي أن المعركة مرشحة لمزيد من التصاعد قبل أن تصل بالصحفيين الثلاثة إلى المذبح الذي وصل إليه كل من تصدى قبلهم لمافيات الفساد.
بالنسبة لي، وللكثيرين من السوريين، كانت الحملة على الدكتور عصام الزعيم وسام فخر إضافي له، لا يقل عن نجاحاته السابقة في إنقاذ عدة دول من الإفلاس، وكذلك كانت معركة الدكتور حسين العماش مع رئيس الحكومة الحالي شهادة تميز دفع كل السوريين ثمنها بالتكافل مع الثمن الذي دفعه الدكتور العماش. وهذه الأيام نعتبر الحملة التي يواجهها طاقم المبكي، وسحب ترخيص مجلتهم، شهادة تقدير لهم على عملهم سنحفظها في ضميرنا لفترة طويلة.
منذ استلام الرئيس بشار الأسد للسلطة في سورية، رفعت القيادة السورية شعار "التغيير على قاعدة الاستمرار"، وأخذ الحديث يتزايد عن تغييرات وإصلاحات تمس كل نواحي المجتمع لا بد أن تظهر تدريجيا خلال الأعوام التي تلي استلام الرئيس الجديد للسلطة. والآن بدأت بوادر التغييرات تظهر وأصبحنا نلمسها شيئا فشيئا في الكثير من نواحي الحياة في سورية.
في مقالتي هذه سأركز على مجال واحد من مجالات التغيير، وهو المجال الذي يمس الشريحة الأكبر من العاملين في القطاع الخاص، أي صغار التجار والحرفيين، وهؤلاء شريحة كبيرة من مجتمعنا أعتقد أنها تبلغ أكثر من نصف مليون أسرة.
بدأت هذه الشريحة تحس بالتغيير منذ عام 1999، ففي ذلك العام لم تصدر حكومة الزعبي موازنة الدولة، وقررت الإنفاق من أوامر صرف شهرية، ولكي تستمر شركات الدولة في العمل، قامت بشراء الكثير من المواد من السوق ووعدت بالدفع لاحقا، وتأخر الدفع أكثر من عام ونصف في أغلب الحالات.
لكي ندرك أهمية هذا الوضع، لا بد من ملاحظة أن الدولة هي أهم زبون في السوق السورية، وهذا أمر طبيعي لأن شركات الدولة تحتكر أغلب الأعمال والاستثمارات، وتشتري بشكل دائم كميات كبيرة من كل أنواع المواد من السوق لتتمكن من العمل، ولذلك فالدولة محرك أساسي للسوق في سورية.


المقالات