نقلا عن نشرة سورية الغد الالكترونية
====================
نفسية الجماهير وإخماد الفتنة
الدكتور سامر اللاذقاني
مقدمة والهدف من الموضوع:
عندما طُلب مني الكلام في هذا اللقاء كانت قد حصلت بعض الأحداث الفردية، ضَخّم محتواها العامة حتى أضحت تُروى وكأنّ مواجهة محتّمة سوف تقع. مما دفعني للتفكير بالسهولة المرعبة التي يمكن لحدث أو شخص ما، أن يحرك بها الجماهير عندما تكون محتقنة، فتنطلق من عقالها كالثور الأهوج غير عابئة بمنطق أو بأخلاق. فالجماعات البشرية عندما تواجه حدثا ما تعتقد انه يهدد أمنها ووجودها، تعود إلى ذاكرتها الجماعية لتستقي منها أدوات خوفها ورعبها وحقدها. وبالعودة إلى التاريخ نجد أن أياً من العدو والمحتل يحاول دائما العزف على هذا الوتر لتحقيق مكاسبه وفرض مصالحه. لذا سنحاول تسليط بعض الضوء على دراسة التكوين الذهني للجماهير، ثم نعرّج على دور المؤسسة الدينية في إذكاء أو إطفاء هذا الجمر الدائم، الذي في لحظة ما قد ينقلب نارا محرقة لا يمكن السيطرة عليها، وينطلق مارد الفتنة من قمقمه مدمّرا الزرع والضرع والبشر. ثم ننتهي بالتساؤل كيف نتقي الكارثة؟ وما هي الآليات المقترحة لنرتقي بنفسية الجماهير للتعاطي مع الحدث، من عقلية القطيع الأهوج إلى تفكير العاقل الناقد الحر، حتى نبني وطناً ونصنع إنسانا يؤمن بشراكة المواطنة ويمارسها حقاً.
أخشى أن تتحول مؤتمرات الحوار هذه، إلى عبث ثقافي مجرّد والى نشاط ذهني غير مثمر. فهذه اللقاءات تتناول النخبة المثقفة وطبقة مصطفاة ومختارة، لكنها لا تمس من بعيد أو قريب الجماهير الواسعة، أو العامّة كما يسميها البعض. صحيح أننا ابتعدنا في حواراتنا عن المجادلات الإنكارية الجاحدة من جانب المسلمين والمسيحيين على حد سواء، واستطعنا أن نصل، إلى حد ما، إلى الاستيعاب النقدي وتجاوز التراث، لكن الجهد الأساسي يجب أن يبقى منصبّاً على الجماهير، ليس فقط تثقيفا وتوجيهاً إنما بمعرفة الآليات الدقيقة التي تحرّكها أو تفجرّها.
إن الحركات الأصولية، في عمليات دفاع ذاتي، ناجمة عن خوفها على هويتها وخوفها من الآخر ومن العالم، أحدثت تشويها في الحقائق وتحريفا للوقائع، منتجةً مقولات مثل الصليبية والغزو الثقافي والمؤامرات العالمية الخ... وأصبحت هده الأصولية من الجانبين تستنطق الكتب الدينية دون أن تملك أدوات القياس والمحاكمة والوسائل المناسبة.
واختلفت التسميات التي تطلق على الجماهير، فمنهم من قيّمها سلباً وسماها: رعاعاً وعامة وغوغاء، ومنهم من رأى في الجماهير تعبيراً عن الإرادة العامة للشعب وأساساً للمجتمع.
لكني هنا في هذه العجالة سأطرق فقط الجانب النفسي لهذه الجماهير لنتعرّف على صفاتها ومحرّضاتها، مستعينا بنظريات المفكر الفرنسي غوستاف لوبون.
الجماهير تبتلع الفرد، وهي تتميّز بعواطف مندفعة، تُستثار بسهولة خطيرة كما أنها سهلة الانقياد. وسبب هذه الخاصية هي العدوى الفكرية والروح الجماعية التي تجعل الجماهير تفكّر وتتصرف بطريقة مختلفة تماما عما كان سيشعر أو يفكّر أو يتصرف كل فرد بمفرده، وبمعزل عن الآخرين.
إن المشاركة النفسية الحميمة بين الأشخاص تؤدي إلى انصهار الفرد في الجماعة، بحيث تصبح "الأنا" موجودة إلى درجة معينة في الحياة المشتركة والأهداف المشتركة للجماعة، فتذوب "الأنا" لتصبح "نحن".
ووسائل الإعلام الجماهيرية، كما الأحداث، لا تؤثر على الفرد مباشرة في علاقة عمودية، إنّما تؤثر بعد تصفيتها ومرورها عبر المحطات والمصافي الاجتماعية المختلفة فتصل غالباً محوّرة لا بل مشوّهة.
إنّ ملاحظة المجموعات الصغيرة تُظهر كيف أن لا وعي الأفراد يتم تحريضه واستنفاره ليشارك في ديناميكية الجماعة. ويمكن توسيع نتائج الملاحظة بحيث نقول أن "الأنا" موجودة دائما ضمن مجموعة أو طبقة يستمد منها الفرد هويته الشخصية الخاصة. وعندما نفتّش أكثر نجد أن داخل كل "أنا" يوجد بالضرورة "نحن" كامنة. فمن دون الجماعة تبقى "الأنا" فارغة من معناها. فأنا أقول أنا طالب أو أنا سوري أو أنا رجل... أي أن هناك انتماء إلى ما وراء الفرد ليمكن لهذا الفرد أن يصبح معرّفاً. لذا سيكون من الطبيعي أن هذا الفرد بحاجة حيوية إلى هذه الجماعة التي تعرّفه وتعطيه هويته، كما أنه مستعد لفعل أي شيء ليبقى في كنفها إذ أنها إذا لفظته أصبح مجرد نكرة مهملة، لكنها إذا حضنته استعاد قيمته وهويته.
وللجماهير عواطف وأخلاقيات خاصة تتميز ببعض النقاط: اقرأ المزيد