بَلوة !!!!!!

المنتديات
" بَلوة " !!!!!!
حمل أوراق تخرجه الطري من كلية طب الأسنان وساح في أرض الله الواسعة يبحث عن لقمة عيش أنكرها عليه الزمان لردح و زمن طاول ساعات ولادته الأولى و نشأته في أسرة معدمة اختزلها واقع مرير و مسيرة صعبة!
هو لا يعلم حقيقة من أين أتى و لا يعلم إلى أين سيذهب . إلا أنه قد حدد أهدافه أصلاً و ها هو الآن يسعى لتحقيقها بسرعة كي يعوض عليه ما فات من الأيام و الأحلام!
سار حتى وصل إلى قرية صغيرة وادعة لا يتجاوز عدد سكانها الخمسمائة . فراح يتجول في أزقتها و دروبها يسأل أهلها عن أحوالهم و عيشهم و فيما إذا كان هنالك طبيب آخر يعمل في القرية؟
و عندما علم بأن لا طبيب و لا مستوصف في هذه القرية , تبين له بأن رزقه سيكون وفيراً و أجره سيكون كافياً فيما لو اكتسب ثقة ومحبة مرضاه و زواره!
على الفور , قام الطبيب باستئجار بيت صغير مكون من غرفتين و منافعهما و جعل من إحدى هاتين الغرفتين عيادة له. و انكب يضع اللمسات الأخيرة لافتتاح عيادته السنية بأقرب وقت ممكن.
فعلاً , ما هي إلا أيام معدودات, حتى افتتح الطبيب عيادته و مركزه الطبي السني معلناً عن بدء استقبال المرضى و الراغبين في العلاج.
كانت أكثر العلاجات شيوعاً , تصليح نخر هنا أو نخر هناك . خلع ضرس قد عانى صاحبه زهاء دهر أو شق لخراج قيحي وما إلى هنالك من علاجات إسعافية ملحة...
في أحد الأيام , دخل رجلان إلى عيادة الطبيب و قد اقتلعت الأسنان الأمامية للأول و كسر أنف الثاني.
استقبل الطبيب الرجلين و سألهما عن سبب حدوث ذلك ؟
فأجابه الأول بأن إشكالاً بسيطاً حصل مع الرجل الثاني لم يكن ليستدعي كل ما جرى لولا تدخل " بَلوة " الذي " حمّاها " لتتحول من إشكال بسيط إلى ملحمة قتاليه أدواتها الأيدي و العصي كانت محصلتها جروح بليغه و كسور نازفه!!!
انكب الطبيب فوراً على معالجة الأسنان المنزوعة للأول و عندما انتهى, باشر إلى تطبيب أنف الثاني و تثبيت الكسر بالرغم من كون الأمر خارجاً عن اختصاص طبيب الأسنان الذي اضطر إلى التدخل بسبب استحالة الوصول إلى مشفى أو مستوصف قريب من هذه القرية .
لقد بذل الطبيب جهداً كبيراً و وقتاً طويلاً في معالجة هذه الحالات الإسعافية و قد استحق بالفعل الأجر الذي طلبه من الرجلين اللذين كانا ممنونين من الطبيب كلّ الامتنان...
و بعد يوم أو يومين , جاء إلى العيادة رجل ثم لحق به ثاني.
الأول يعاني من تورم في شفتيه أثر لكمة عنيفة على وجهه و نزوف كبيرة في اللثه . و أما الثاني , فقد كان يعاني من رض قوي على العين و جرح عميق و نازف فوق الحاجب!!!
سارع الطبيب إلى علاج الاثنين فخاط لهما هذه الجروح و ضمدها وأعطاهما العلاجات والأدوية اللازمة لتخفيف الآلام الناجمة عن هذه الجروح و الكدمات. ثم سألهما عن سبب حدوث ذلك ؟ فأجاباه بأنهما تشاجرا من أجل مسألة بسيطة كان لها أن تحل لولا مرور " بَلوة" بالصدفة الذي " حمّاها " بين الأثنين لتتحول هذه المسألة البسيطة إلى معركة طاحنة بينهما سقط نتيجتها الرجلان في بركة من دمائهما!!!!
ثم دفع الرجلان أجر الطبيب الذي استحقه مرة أخرى و خرجا ممنونان منه أشد الامتنان..
و ما هي إلا أيام معدودات , حتى وصل العيادة عدة رجال تبين للطبيب فيما بعد بأنهم جميعاً أشقاء . وقد سقطوا جميعاً ضحايا من جراء الضرب المبرح بالعصي والهراوات و الأيدي و الأرجل . ضرب خلف جروحاً بالغة و رضوضاً شديدة و نزوفاً حادة..
انكب الطبيب على تضميد جراحات الأخوة الأشقاء و بلسمة آلامهم و التهدئة من روعهم .
و بعد أن أنجز مهمته العسيرة , سألهم عن سبب كل هذا؟
فأجابه أحدهم بينما كان الآخرون يغطون في بحر آلامهم و تنهداتهم , بأنهم اكتشفوا ( ولو متأخرين قليلاً) بأن الإشكال الذي وقع بين الأخوة حول حدود أرضهم كان ليحل ببساطة لولا مجيء " بَلوة " إلى المقهى الذي كان يحتوي الأخوة ذاك المساء كما في كل مساء .
" بَلوة " الذي كان " يحمّيها " كلما تبين له أن الإشكال في طريقه إلى الحل بين الأخوة. و هكذا , إلى أن تحول الأمر إلى معركة طاحنة بالأيدي و الأرجل و الكراسي و الطاولات . و بقي " بَلوة " يرقب من بعيد ما يجري بين الأخوة و عندما تأكد من حبكة المشكلة, أدار ظهره و خرج و قد ارتسمت على وجهه ابتسامة صفراء تنم عن نيته المبيته و أسلوبه القذر!!!!
سأل الطبيب الأشقاء عن موضوع " بَلوة " هذا ؟ و كيف أطلق عليه أهل القرية لقب " بَلوة " الذي رأى الطبيب أنه يستحقه بجدارة لما يقوم به من نشر للكراهية و البغضاء و زرع البلوة في كل مكان!!!
أجابه الأشقاء بأنه لو كان للنميمة و العدوانية و الفساد و الكسل شكل , لتجلى على هيئة " بَلوة " . إنه لا يرتدع عن فعل أي شيء لقاء حفنة قليلة من المال !!!
لمّا سمع الطبيب هذا الكلام , وعد الرجال الأشقاء بأنه سيقوم بكل الجهود الممكنة من أجل لقاء " بَلوة " هذا و وضع حد لهذا الرجل الذي كان " يحمّي " المشاكل بين الناس و يستنفرهم على بعضهم البعض!
رفع الجميع رؤوسهم نحو السماء يدعون إلى الله أن يوفق الطبيب في مهمته الجليلة و يبارك له في أهله ويسدد خطاه لما هو خير و بركة للجميع. ثم دفعوا له أجره الذي طلبه و استحقه كما في المرات السابقة عن جدارة وبراعة .
فعلاً , بعث الطبيب في طلب " بَلوة " ليدعوه إلى زيارته في عيادته . التي وصلها " بَلوة " على نحو السرعة و العجلة !
حيث سيلتقي الطبيب الجديد.
و تكررت زيارات " بَلوة " لعيادة الطبيب حتى أصبحت شبه يومية !
وصل نبأ هذه الزيارات إلى مسامع مختار القرية الذي سارع إلى عيادة الطبيب كي يستعلم منه عن سببها و لكي يحذره بنفس الوقت من مخاطر الاقتراب من هذا الرجل الذي يجلب المشاكل إلى كل مكان يظهر فيه!!!
وصل المختار إلى العيادة و قابل الطبيب الذي رحب فيه أجمل ترحيب و دعاه لتناول القهوة التي أعدها الطبيب على شرف الضيف الكبير .
و بينما جلس الرجلان يتبادلان أطراف الحديث , أحب المختار أن ينبه الطبيب إلى مخاطر مجيء " بَلوة " إلى العيادة التي تحتضن أعداداً متزايدة من المرضى و المراجعين مما يمكن أن يسبب مشاكل للطبيب و للمرضى بنفس الوقت!!!
أعلم الطبيب المختار عن سبب هذه الزيارات التي يقوم بها " بَلوة " للعيادة حيث يقوم الطبيب بإجراء جلسات معالجة نفسية و حلقات تدريب اجتماعي و تثقيف أخلاقي عن كيفية التعامل مع الناس و تمني الخير و البركة للجميع كما يتمنى الواحد لنفسه.
عسى و لعل يعود " بَلوة " عودة الرجل الضال و يصحو من خيبته و كابوسه الذي عاش معه طويلاً!!!!
بارك المختار بعمل الطبيب و غيرته و جهده الذي لم يوفره مذ وطأت قدماه هذه القرية و خرج يبتهل إلى الله تعالى أن يوفق الطبيب في مسعاه و مهمته!!!
و لكن مختارنا المبجل لم يكن يعلم أن " بَلوة " هذا ما كان ليزور عيادة الطبيب لولا سبب و حجة و مسوغ !!!!
فهناك في الغرفة الداخلية الثانية يجلس الطبيب و " بَلوة " كل مساء ليتقاسما غلّة اليوم من الأموال السخية التي تقاضاها الطبيب من الضحايا!!!
فمن أين كان لهذا الطبيب أن يسترزق من هذه القرية لولا وجود رجل واحد على الأقل كمثل " بَلوة " ... " يحمّيها " كلما بردت!!!!

التعليقات

rami yousef

قصة "بلوة" قصة واقعية جدا ونجد مثلها الكثير في ارجاء وطننا لكن الغريب أن تكون بقلم السيد دريد الأسد !!فحسب ما تتناقله الأخبار الشائعة ... أنـــه لا يقل بلوة عن" بلوة"
اللغة
Arabic

دعوة للمشاركة

موقع الأيهم صالح يرحب بالمشاركات والتعليقات ويدعو القراء الراغبين بالمشاركة إلى فتح حساب في الموقع أو تسجيل الدخول إلى حسابهم. المزيد من المعلومات متاح في صفحة المجتمع.