في مقالي السابق تحدثت عن مفهوم "عدالة السماء" في
العالم العشوائي الذي نعيش به اليوم، وقد راقني القبول الذي لقيته الفكرة
من أصدقائي على اختلاف آرائهم، كما راقني مفهوم اللاعدالة الذي ذكره
الإعلامي يعقوب قدوري في تعليقه على المقال. ما لم يرقني هو الاتهامات
الصريحة والمبطنة من بعض أصدقائي بأن هذه الأفكار دعوة للتقاعس وتسويق
للفشل.
يقول صديقي:
"إذا كان الحظ هو اللاعب
الأساسي في النجاح، فلا
داعي لبذل أي جهد، يكفي فقط انتظار الحظ ليأتي بالنجاح"
ويعتبر
أن هذه
الفكرة تناقض كل تاريخ الإنسانية الذي بناه الناجحون والعباقرة بعلمهم
وجهدهم ومثابرتهم وإصرارهم على النجاح.
وأنا لا أرى مانعا من
التقاعس،
فبعض الناس متقاعسون وبعضهم جادون أكثر من غيرهم، ولكن هل يعني هذا أن
النجاح لا يأتي إلا للجادين؟ ألفت نظركم هنا إلى فكرة مقبرة الدليل الصامت
التي ذكرتها سابقا في مقالتي الثانية في السلسلة، واسألكم: كم شخصا تعرفونه
يقضي كل وقته في العمل والمثابرة، ثم لا ينجح في تحقيق ما يريده هو؟ أنا
أعرف الكثيرين ممن يعملون بجد ليل نهار، وحلمهم البسيط أن يؤمنوا الحد
الأدنى من الحياة الكريمة، ورغم كل معاناتهم، فهم لا ينجحون في وفاء
التزاماتهم آخر الشهر. بالمقابل، لو كان التقاعس دافعا للفشل، لما أمكنك أن
ترى شخصا يعتبر نفسه ناجحا لأنه يوما ما خاض رهانا ما فربحه، واستغنى بذلك
عن الحاجة لأي جهد في الاستمرار.
لا أحد يعرف ما سيحصل في
المستقبل،
ولذلك فلا أحد يضمن النجاح. دعوني أتكلم عن نفسي الآن، فقد اعتدت في الماضي
على بناء تصورات عن المستقبل وإقناع نفسي بها بشكل كامل، بحيث آمنت أن
العالم يعمل وفق النموذج الذي بنيته في مخيلتي. كنت أعتقد أن هناك دائما
سيناريو نجاح واحد على الأقل لكل هدف، ومن يتبع هذا السيناريو يستطيع أن
يصل إلى الهدف، رغم وجود الآلاف من سيناريوهات الفشل حوله. وقادتني التجارب
المتتالية لاكتشاف كم كنت مخطئا. فالعالم لا يخضع لما أريده، والمستقبل لا
يأتي كما أحلم به. الحياة والطبيعة والمستقبل أمور مستقلة عن مشاعري وعن
ما أحلم به وأخطط له. اقرأ المزيد