You are here
هل يحب أحد في العالم، مهما كان قويا، أن يصطدم مع الأصوليين الإسلاميين؟ لا أظن ذلك، فتجربة روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل في الصدام معهما كافية لدفع أية جهة أخرى للتفكير مليا في طرق وأدوات واستراتيجيات لتجنب أي صدام محتمل معهم.
خلال السنوات العشرين الماضية اعتمدت الاستراتيجيات التي اتبعتها القوى والحكومات للتعامل مع الأصولية الاسلامية على اختراقها من القمة، أي عبر السيطرة على الرؤوس التي توجه الجسم الأصولي. استندت هذه الاستراتيجية على فرضية أن الأصوليين يخضعون لمراجعهم في كل شيء، وأن حس التفكير والمحاكمة العقلية عندهم متراجع لدرجة كبيرة مما يسمح لأي قائد أصولي بالسيطرة على تجمعات كبيرة منهم، ويسمح أيضا بشق أي تنظيم أصولي يحاول التمرد عبر استمالة أعضائه إلى قادة جدد يبدون أكثر أصولية ولكنهم في الحقيقة مرتبطون بمصالح خارجية ويتحركون بأمرها.
وفي حين نجحت استراتيجيات شبيهة في تفكيك وتحطيم تيارات عقائدية وإيديولوجية مختلفة في العديد من الدول، أثبتت هذه الاستراتيجية فشلها المحكم في تفكيك التيارات الأصولية الإسلامية في أمكنة متعددة منها سورية وإيران وفلسطين والباكستان وأفغانستان.
أعتقد أن السبب الأساسي لفشل هذه الاستراتيجيات يعتمد أساسا على عدم إدراكها لسهولة بناء العداوات بين الأصولية الإسلامية وأي تيار آخر. وأكبر مثال هو العداء الذي أصبحت الأصولية الإسلامية تكنه للعلمانية الفرنسية بسبب قانون منع الرموز الدينية في المدارس الفرنسية، وهو قانون فرنسي داخلي قبلته التيارات الإسلامية في فرنسا، ولكن الأصولية الإسلامية في الشرق أعلنت العداء لفرنسا بسببه، واعتبرته موجها ضد المسلمين الفرنسيين مع أن أكثرية المتضررين منه هم الأغلبية المسيحية في فرنسا، ورغم أنه يشمل كل الرموز الدينية مثل أغطية الرأس المختلفة للأديان المختلفة، ومنها الحجاب الإسلامي.
يستغل قادة الأصولية الإسلامية السهولة المتناهية التي يمكن فيها إنشاء عداوة عقائدية بين أي أصولي إسلامي وأي شخص آخر في أي مكان لتشكيل تيارات أصولية إسلامية أكثر تشددا وأكثر أصولية، وأكثر عداء لأشخاص آخرين منهم تيارات أخرى تعتبر نفسها أيضا تيارات أصولية إسلامية. وقد أصبح معتادا لدى الإسلاميين تقييم مدى إخلاص شخص لعقيدته عبر قياس مدى عدائه للآخرين، مثلا يعتبر الكثير من الأصوليين الإسلاميين رفض شيخ ما لقتل المدنيين الأجانب خروجا عن الإسلام لأن المدنيين الأجانب بالنسبة لهم مقاتلون كفار من نوع آخر لا يضطرون لحمل السلاح.
وهكذا يصبح من الصعب كثيرا ضمان سيطرة القيادات الإسلامية المرتبطة بالسلطة في وقت الأزمات لأن قيادات أخرى أقل مستوى تستطيع أن تحيدها أو تعزلها أو تثور عليها عندما تتخذ القيادات العليا مواقف معتدلة أو حيادية أو غير متطرفة تجاه أية أزمة.
أصبحت القوى الحاكمة التي تستشري الأصولية في مجتمهاتها تعي تماما أن السيطرة على الأصولية لا تأتي من القمة، وأن الأصوليين الأفراد سيشعرون بنشوة الشهادة لدى أول احتكاك مع القوى الحاكمة، ولا بد أنهم سيرغبون بتحويل هذا الاحتكاك إلى صراع مسلح يمكنهم من نيل الشهادة التي يسعون إليها.
ولا بد أن القوى الحاكمة التي تتحسب من صدام مع الأصوليين تبحث عن وسائل لتأخير أو منع صدامها المباشر معهم. الحل العلماني أثبت أنه ليس ناجعا في دول تكثر فيها الأغلبية الإسلامية المستعدة للعودة إلى الأصولية في أي وقت. ولذلك تبحث القوى الحاكمة عن حلول أخرى.
أعتقد أن الاستراتيجية التي تعد حاليا لاحتواء الأصولية الإسلامية هي دفع المجتمع لرفضها أو تحطيمها من الداخل بدون مواجهة مباشرة بينها وبين السلطة. وعندما تخير أي نظام حاكم في منطقتنا بين حرب أهلية محدودة تضمن بقاءه في السلطة، وحرب بينه كممثل للوطنية وبين التيارات الإسلامية الأصولية، لا بد أن يختار الحل الأول، لأن أغلب حكوماتنا تهدف أساسا إلى البقاء في السلطة أكثر مما تهدف لحماية أوطانها.
ولذلك تخطط الاستراتيجيات المتبعة حاليا لدى الحكومات العربية لخلق أعداء محليين للأصولية الإسلامية، ودفعها للصدام معهم بدلا من الصدام مع الحكومة. تحقق هذه الاستراتيجية عدة أهداف أساسية:
1- إضعاف قوة التيارات الأصولية الإسلامية وإشغالها بمعارك مع تيارات أخرى غير السلطة.
2- تشكيل تيارات رافضة للاتجاهات الأصولية بين الإسلاميين، ودفعهم لمواجهة الأصولية الإسلامية بشكل داخلي.
3- تبرير الإبقاء على السلطة المطلقة لحماية الأمن والاستقرار في البلد
4- تمكين السلطة من ابتزاز أي تيار للحصول على مكاسب إضافية في المعارك المستمرة التي يخوضها.
بالنسبة للسلطة، يمكن تشبيه هذه الاستراتيجية بعملية تسمين الخراف ثم دفعها للإسلاميين الأصوليين ليتم نحرها في يوم العيد، وهو اليوم الذي يجتمعون فيه في نفس المكان ويرددون نفس الهتاف وتثور شهوتهم الكامنة للذبح وسفك الدماء.
تبدو استراتيجية تسمين الخراف واضحة في عدد من الممارسات التي لم تكن مألوفة سابقا، بدءا من لجم هيئة التطويع في مناطق محددة من السعودية لإشعار الناس ببعض الحرية ودفعهم للعمل بشكل أوضح في مقاومة الأصولية، ووصولا إلى نشر مقالات ومواقف لا أصولية في صحف ومنابر يعتقد الأصوليون أنها لهم، ولكنها في الحقيقة تابعة لقيادات مرتبطة بجهات أخرى. ويتجلى بأفضل شكل في محاولة السلطة السورية تشكيل، أو دعم تشكيل، أو الدفع إلى تشكيل، عدد من الأحزاب التي تبدو مستقلة، وتجاهر أنها معادية للأصولية.
إضافة إلى ذلك، تشمل هذه الاستراتيجية توجيه طاقات الأصوليين الخاضعين لقيادات مرتبطة بالسلطة تجاه خصوم وأعداء داخليين، بدلا من التركيز على الوحدة الوطنية في مواجهة العدو الخارجي كما كان الخطاب الإسلامي يعلن في السابق. ويظهر هذا مثلا في المنشور الذي وزعه تيار الإسلام السياسي السوري (الكفتابوطي) ضد الحفلات التي لم تلغ حدادا على وفاة الشيخ كفتارو، وفي محاولة شيخ مثل القرضاوي شق التيارات القوية المرتبطة به وتوجيه قوتها ضد بعضها في فتاواه الأخيرة مثل فتوى منع قتل المدنيين البريطانيين ووجوب قتل المدنيين الأمريكيين، وفي محاولات إشعال الفتائل الطائفية عبر خلق عداوات طائفية مستحكمة بين الطوائف الإسلامية في المجتمع السوري.
يبدو تطبيق هذه الاستراتيجية سهلا للغاية، فمن السهل أن تدفع السلطة الأصوليين للصدام مع تيار علماني يرفض فكرة أن دين الدولة هو الإسلام، أو مع تيار ديمقراطي يعتبر أن من حق الأقليات أن تعبر عن نفسها حتى لو لم تكن إسلامية بالمعنى الذي يوافق عليه الأصوليون، أو مع تيار عقائدي يطرح رابطة أخرى للمجتمع غير الرابطة الإسلامية، ويساوي بين المسلمين وغير المسلمين في الحقوق والواجبات.
ولأن السلطة لا تحب المغامرة، فهي ستختبر هذه الاستراتيجية قبل اعتمادها على نطاق واسع، ويمكنني أن أتوقع مشاكل يكون الأصوليون طرفا فيها في مناطق تحوي وجودا عسكريا قويا للسلطة، مثل القسم الشرقي من السعودية، والمنطقة الوسطى من سورية، حيث ستدفع الحكومات للأصوليين بأول كبش ليقوموا بنحره في احتفال تعميد استراتيجية تسمين الخراف، وستكون جاهزة بقوة كبيرة لسحق كل من بفكر بتوسيع الأحداث لتشمل نحر أي خروف آخر.
أعتقد أن استراتيجية أي حزب أو تيار لا أصولي في سورية أو السعودية لا بد أن تشمل الاستعداد لصدام مع الأصوليين الإسلاميين، والتخطيط لمواجهة حرب أهلية تحدد الدولة مداها وأسلحتها وتقود بعض أطرافها من دون أن تكون طرفا مباشرا فيها.
الحلول الممكنة ليست كثيرة، ومن الخطأ الاعتماد على "معجزة" تدفع الأصوليين إلى التعاون مع التيارات الأخرى ضد الدولة. ولذلك تستطيع التيارات اللاأصولية أن توثق صلاتها مع بعضها، وتفتح كل قنوات الاتصال الممكنة مع كل من يمكن أن يعارض حربا أهلية، سواء داخل البلد، أو خارجه، مع تجاوز كل القناعات العقائدية والفكرية السابقة.
إن أي تيار يفشل في حماية نفسه، وفي إقناع السلطة والأصوليين أنه ليس خروفا، سينحر يوما ما في أحد أعياد الأصولية الإسلامية.
الأيهم صالح
www.alayham.com
7-9-2004
اللاذقية ـ سورية








التعليقات
لا أدري هل هذه المقالة أ.الأيهم هي نقد للاصوليين على (خضوعهم لمراجعهم )أم هي مدح لهم على عدم قدرة أي سلطة في أي بلد كسرهم أم أنها مجرد رأي وتحليل حيادي ؟؟؟
ثم هل تستطيع أن تشرح لي معنى أصولي وتعريفه لديك لأستطيع على الأقل أن افهم هذه المقالة بشكل أوضح وربما كانت الفكرة واضحة ولكني لم استوعبها جيدا .
وعلى فكرة نفى الشيخ القرضاوي أن يكون قد افتى بجواز قتل المدنيين الأمريكيين ولكنه بنفس الوقت أكد على وجوب مقاومة المحتل
http://www.aljazeera.net/news/arabic/2004/9/9-9-16.htm
ولي عودة إن شاء الله .
لا أعرف لماذا هناك الكثير من مواقع الانترنت والمحطات التلفزيونية والمجلات لا تكف عن نشر أخبار غير صحيحة أي إلفاق التهم على الاخرين أو بالأحرى إلصاق أقوال وتصريحات على البعض غير صحيحة . بغض النظر عن هؤلاء الأشخاص من هم
ولكن لماذا ....
لمجرد سماعنا إشاعة نقوم بتصديقها فوراً دون التحقق من صحتها أو عدم صحتها
أ.الأيهم هل بإمكانك إثبات هذا الكلام الذي قلته على الشيخ القرضاوي هل سمعته يصدر هذه الفتوى على إحدى المحطات التلفزيونية أو هل أصدر هذه الفتوى على موقع الانترنت الخاص به أو أي مصدر خاص به أو ماذا ...
أ.الأيهم لماذا لم تجب أو بالأحرى لماذا لم تقدم للقارئ صحة كلامك عن فتوى الشيخ القرضاوي.
هذا إن دل على شي فلا يدل إلا على عدم مصداقيتك ونقل الكلام الذي يعجبك دون التحقق من صحته
كما تقوم بنقل صحيح الفياض بتاعك
أنا لا أقوم بانتقادك بشكل شخصي لكنك أنت طلبت نفس الطلب من أحد القراء وقلت له
فهل باستطاعتك تقديم التوضيح
أبو جميل
يمكن اعتبار شاكر النابلسي متخصصا في شؤون الكاذبين ذوي الشخصيات المتعددة، ومنهم القرضاوي وعرفات. إليكم مقالته عن الموضوع في موقع الحوار المتمدن
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=23327
وهذه عدة شهادات من مواقع إسلامية عن فتوى القرضاوي.
http://www.islammemo.cc/news/one_news.asp?IDnews=42894
الإسلام اليوم ـ رويترز :
17/7/1425 8:45 م
02/09/2004
http://www.islamtoday.net/albasheer/show_news_content.cfm?id=33071
http://www.aljamaa.com/arabic/detail_khabar.asp?id=1631&idRub=4
وهناك عشرات المقالات الأخرى حول هذا الموضوع.
قبل أن يعلن القرضاوي تنصله من فتواه، قلت في مقالتي أن القرضاوي يحاول شق التنظيمات المرتبطة به وتوجيهها ضد بعضها، وأنا أعتقد أن حركات القرضاوي الأخيرة كلها مجرد محاولة لشق التنظيمات الأصولية التي صرف الأمريكيون كثيرا على إنشائها خلال الأعوام الثلاثين الماضية.
أنا لا أستغرب من شيخ بمثل أخلاق القرضاوي ينزو على طفلة أن يلعب هذا الدور، كما أنني لا أستغرب موقف بعض الإسلاميين الذين يعتبرون أن رموزهم الدينية من مستوى القرضاوي تستطيع أن تشرع لهم ما يفعلون وما لا يفعلون. في الحقيقة أن هؤلاء الشيوخ يليقون تماما بهؤلاء المسلمين.
بغض النظر عن الشيخ القرضاوي أو غيره
أ.الأيهم أعتقد أنه من المفروض علينا التأكد من هكذا تصريحات هامة نوعا ما قبل وضعها والكلام عنها
انت قلت مواقع اسلامية
هل هذه المواقع للقرضاوي أو هل هو مشرف عليها نوع ما
طبعا بالتأكيد من الأفضل التأكد
يعني الفاسق الذي أتانا بهذا النبأ هو إما ألف صحفي اجتمعوا في نقابة الصحفيين ليسمعوا القرضاوي، ونقلوا الفتوى عنه إلى كل مكان في العالم، وهو إما رويترز التي اتصلت بمكتب القرضاوي للتأكد فأكد لها مدير مكتبه الفتوى وكررها عليها، وهو إما المواقع الإسلامية التي نقلت فتواه وعممتها على الناس لتشتغل ببعضها قتلا وتذبيحا.
بالنسبة لي، الفاسق الحقيقي هو القرضاوي متعدد الأوجه الذي يعطي فتاوى حسب المطلوب منه.
وأنت يا أبو جميل، كما يبدو لي، مجرد ضحية. لماذا لا تشغل عقلك أنت في التأكد من صحة أقوالي. هل قرأت مقالة الدكتور شاكر النابلسي التي ناقش فيها كذب القرضاوي وافتراءاته علنا وعلى رؤوس الأشهاد.
أم أنك من جماعة الناسخ والمنسوخ، يعني اليوم القرضاوي ينسخ ما أفتى به أمس. وهذه طبعا حلال لا حرام فيها، إذا كان الله ينسخ كلامه، فلماذا لا ينسخه القرضاوي؟
الأيهم